أحمد الشرباصي
33
موسوعة اخلاق القرآن
وهذا أمر باللين العام ، والتواضع الذي يشمل كل الاتباع المؤمنين ، حيث يأمر الله نبيه بأن يلين معهم ، ويحلم عليهم ، ويترفق بهم . ويجسّم القرآن ذلك في صورة حسية ، هي صورة الجناح المخفوض من الطائر حينما يهم بالهبوط حيث الهدوء والسكون والاطمئنان . ويفسر القشيري في « لطائف الإشارات » هذه الآية بقوله : ألن جانبك لهم ، وقاربهم في الصحبة ، واسحب ذيل التجاوز على ما يبدر منهم من التقصير ، واحتمل منهم سوء الأحوال ، وعاشرهم بجميل الاخلاق ، وتحمل عنهم كلهم ، وارحمهم كلهم ، فان مرضوا فعدهم ، وان حرموك فأعطهم ، وان ظلموك فتجاوز عنهم ، وان قصروا في حق فاعف عنهم ، واشفع لهم أو استغفر لهم . ولنلاحظ هنا أسلوب النظم القرآني ، ولنر كيف سار . . . ان الآيات هنا تقول : « وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ، وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ، وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ » . انظر كيف بدأت الآيات بذكر الانذار ، وفيه شدة وصلابة وصرامة ، ثم ذكرت خفض الجناح ، وفيه رفق ولين وتواضع ، فإن لم ينفع معهم الانذار الممزوج باللين ، فدعهم وشأنهم ، واتجه إلى ربك القوي الغالب ، الرحمن الرحيم ، فأنت في هدايته ورعايته . وقد يقال : ولم قال القرآن : « لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » والمتبعون للرسول صلى الله عليه وسلم هم المؤمنون ، والمؤمنون هم المتبعون للرسول ؟ . ويجيب الزمخشري على ذلك بقوله : « فيه وجهان : أن يسميهم قبل الدخول في الايمان مؤمنين ، لمشارفتهم ذلك ، وأن يريد بالمؤمنين أخلاق القرآن ج 3 - 3